يخطط الاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا وألمانيا لإنشاء وكالة استخبارات خاصة به تحمل اسم "وحدة الاستخبارات المركزية" التي تلزم الدول ألـ 27 الأعضاء في الاتحاد دمج جميع معلوماتها الاستخبارية في الوحدة، ما يقوّض من خلال هذه المسيرة العلاقة الخاصة القائمة منذ فترة طويلة بين الاستخبارات البريطانية والأميركية.
كما ينص المخطط على إنشاء شبكة لمراكز مكافحة الإرهاب في جميع دول الاتحاد، يدر أعمالها ونظامها الاستخباري مركز "سيت سن" (مركز التنسيق) في العاصمة البلجيكية بروكسل. وهذا العمل يتضمن تقاسم المعلومات الخاصة بالحمض النووي وسجلات البصمات وأفلام كاميرات المراقبة وسجلات التنصت الإلكترونية ومعلومات الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع من دون طيار، والتدريب المشترك وتوحيد أنظمة المراقبة.
ويحاول مسؤولو أجهزة الاستخبارات والشرطة في بريطانيا الترويج ضد المخطط الذي يخشون أنه سيشكل تهديداً لعلاقة القديمة والوثيقة مع الأميركيين والتي تعود إلى الحرب العالمية الثانية. ويزعم هؤلاء المسؤولون أن وكالات الاستخبارات الأميركية ستصبح مترددة في استمرار تقاسم المعلومات مع الأجهزة البريطانية إذا كانت هذه المعلومات ستمرر لاحقاً إلى الدول الأوروبية الأخرى، والتي تشتهر العديد منها بعمليات التسريب الاستخباري أو الفساد أو في بضع حالات، بالعدائية للسياسات الأميركية.
ويتم حالياً تنسيق جمع أنظمة المراقبة الإلكترونية البريطانية والأميركية بشكل وثيق، ونشأت لهذه الغاية مراكز استماع وتنصت أميركية في بريطانيا، في حين أن مراكز تحليل المعلومات الاستخبارية التابعة لمجلس الأمن القومي الأميركية في فورت ميد بولاية ميريلاند، ومركز الاتصالات الحكومية البريطانية في شيلتنهام، تعمل بتنسيق مشترك.
وتتقاسم هذه المراكز المعلومات والتحاليل ويتبادلون الموظفين والتكنولوجيا، وتتصرف في الواقع، كنموذج للتعاون الاستخباري بين الدول وهو النظام الذي يأمل الاتحاد الأوروبي اليوم مضاهاته.
لقد أقام جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (أس آي أس)، الذي لا يزال شار إليه في بعض الأحيان بالاسم القديم المعروف "أم آي 6"، علاقات وثيقة مع وكالة المخابرات المركزية السي آي آيه، فيما أقام مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) علاقات تعاون وثيقة مع جهاز الاستخبارات الداخلي البريطاني (أم آي 5) ومع الفرع الخاص في الشرطة البريطانية.
كما يتعاون مسؤولو مكافحة الإرهاب في البلدين بشكل وثيق كما يفعل المسؤولون العسكريون الأميركيين والبريطانيين ومؤسستاهما النوويتان، في إطار شبكة شاملة من التعاون تشكل "قلب العلاقة الخاصة" الأميركية البريطانية التي أثارت منذ فترة طويلة حسد شركاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.
وأثارت الخطة الأوروبية نوعين من المعارضة في بريطانيا، الأولى جاءت من أجهزة الاستخبارات والشرطة والجيش الذين لا يثقون كثيراً في قدرات وأمن والاعتماد السياسي على العديد من الدول الأوروبية الأخرى، ويفضلون المحافظة على علاقتهم المختبرة والمجربة مع الولايات المتحدة.
وتملك بريطانيا أكثر أجهزة الاستخبارات احتراماً وأكثرها قدرة على الامتداد في العالم، لذا يخشى المسؤولون البريطانيون أنهم سيقومون بأكبر جزء من عملية تقاسم المعلومات مع احتمال تعريض مصادرهم للخطر، مقابل القليل.
وقال بول كورنيش، الخبير في شؤون الأمن الدولي في معهد العلاقات الدولية في العاصمة البريطانية لندن، إن "الصعوبة مع الاتحاد الأوروبي هي أنه منظمة معقدة وهناك أخطار في تقاسم معلومات مع دول مثل بلغاريا أو هنغاريا قد تصل في نهاية الأمر إلى أياد أخرى".
وأضاف كورنيش "تملك العديد من الدول الأوروبية شبكات استخبارات غير ناضجة وغير متطورة. لا يمكننا أن تخيل أننا سنتقاسم معلومات مع تنظيمات قد تكون مهزوزة. لن نحصل على شيء مقابل إعطاء معلومات نملكها إلى دول أخرى ولن نتقاسم جواهر التاج إذا لم نكن سنحصل على شيء في المقابل".
ويأتي المستوى الثاني من المعارضة من أولئك المشككين في الاتحاد الأوروبي وطموحاته. إذ يشير هؤلاء إلى أنه في أي محاولة جديدة لصد الخطط التي تهدف إلى المزيد من الاندماج، مثل الاستفتاء الأيرلندي الأخير ضد الوثيقة الأوروبية الموحدة (اتفاقية لشبونة)، تنبت مسيرة الاندماج من مكان آخر كما هو البارز اليوم من المشروع الحساس للوحدة الاستخبارية.
والمعارضة الشعبية لمسيرة الاندماج منتشرة. فقد صوت الفرنسيون والهولنديون ضد الدستور الأوروبي الموحد. وعلى الرغم من ذلك تم إعادة إحياء المقترحات الرئيسية للدستور مثل إنشاء مركز دائم للرئيس الأوروبي ووزير خارجية وجهاز ديبلوماسي موحد، من خلال اتفاقية لشبونة. واليوم، صوت الأيرلنديون ضد الاتفاقية على الرغم من أن حكومتهم روّجت بشدة لصالح الوثيقة، لكن بروكسل لا تزال بكل بساطة تتوقع منهم أن يصوتوا بـ"نعم".
ويقع مشروع "الوحدة الاستخبارية المركزية" في تقرير من 53 صفحة وضعته "مجموعة المستقبل" من وزارات الداخلية والعدل في ألمانيا وفرنسا والسويد والبرتغال وسلوفينيا وجمهورية التشيك، وبررته بأنه وسيلة لتحسين الاندماج في مجال السياسة ومكافحة الإرهاب والاستخبارات.
كما يدعو التقرير إلى إقامة وحدة عسكرية أوروبية مشتركة تعرف باسم "الجندرمة" تنشر في أوضاع الأزمات مثل الهجوم الإرهابي والإخلال الواسع بالنظام العام وفي الأزمات خارج الحدود أيضاً.
وزعمت دانيال هانا، النائب البريطاني المحافظة في البرلمان الأوروبي وإحدى أشد المنتقدات للخطوات التي لا تهدأ نحو المزيد من الاندماج الأوروبي، أن "النظام الكامل للعدل والشؤون الداخلية يمر يومياً تحت صلاحية بروكسل".
وتصر وزيرة الداخلية البريطانية جاكي سميث، المسؤولة عن الاستخبارات الداخلية، على أنها "لن توافق على أي خطك تعرض الأمن البريطاني للخطر"، وهو خيار ديبلوماسي للكلمات لم تعبر فيها عن التزام بمعارضة الخطة الأوروبية المقترحة.
(يو بي آي)